الرئيسية

التطور والمدنية رحمة ونقمة

الكاتب : majidaraya | التاريخ : أكتوبر 29 2012


 

 الحياة على الأرض ـ التطور والمدنية رحمة  ونقمة

“الإنسان ابن بيئته” هذا المثل لخّص مدى أهمّية وأبعاد تأثير البيئة على الإنسان إلى درجة تجعل علاقة الإنسان بها كعلاقته بأهله الذين هم أصل وجوده,

والبيئة هي كل ما يحيط بهذا الإنسان من ماء وهواء وتراب مع كل العوامل الداخلية والخارجية التي تخضع لها هذه العناصر.

ولا غرو أن هذه العوامل يكون تأثيرها طبيعياً تارة، وأخرى يأتي تأثيرها من صنع الإنسان نفسه، فالبشر الموجودون في البيئة ذاتها لهم تأثيرهم في محيطهم كما في المحيط الخارجي.

والإنسان الموغل في القرن الواحد والعشرين بلغ مراحل متقدّمة من العلم والتطوّر، إلا أن لهذه الميّزة انعكاسات وتأثيرات في حياة البشر.

 

ظاهر هذه التأثيرات إيجابي إذ تحسّنت حياة الناس وأوضاعهم الإجتماعية في كلّ مكان امتدّت إليه يد المدنيّة، إلاّ أن باطن هذه التأثيرات بدأ يظهر إلى العلن من خلال العديد من المؤشّرات التي يشهدها البشر ولاسيما فيما يتعلق بالتغير المناخي والتلوث المستشري والاحتباس الحراري المتفاقم، وكانت الصرخة التي أطلقت في مؤتمر كوبنهاجن والذي عقد من أجل تدارك المخاطر المحدقة بكوكب الأرض أكبر دليل على مدى راهنيتها.

هذا الواقع يؤشر إلى أن التطور المدني الذي يسعى الإنسان إلى إنجازه واستكماله إنّما هو سيف ذو حدّين، لأنّه وإن أمّن حياة مريحة للناس، إلاّ أنّه اسّس بالمقابل للكثير من المشاكل البيئية التي تسهم بشكل أو بآخر بتعكير صفو حياة هذا الإنسان بسبب الأمراض الغريبة والجديدة التي ظهرت نتيجة لهذا التطور.

 

فعندما يركب المرء السيّارة مثلاً فإنّها تريحه من عناء السير على الأقدام، وفي الوقت ذاته تنبعث من العادم الغازات السامة التي ـ مع تزايدها نسبة لتزايد الكثافة السكانية ـ بدأت تشكّل خطراً على حياة البشر لأنها تلوث الهواء الذي نتنفّسه، فكيف بنا ونحن أمام مصانع كبيرة، وآلات مختلفة، وأمور كثيرة، جميعها يؤدّي إلى هذه المخاطر، والتي تتزايد في الأماكن الأكثر تطوراً، كما تتزايد في الأماكن التي تكتظّ بالسكان.

 

فالإحتباس الحراري الناجم عن كل هذا التلوّث في البيئة يهدّد المناخ، ويؤثّر في كل شيء، وخطره في تزايد يوماً بعد يوم، سيّما وأن البلدان الأكثر تأثيراً في إيجاد هذا الخطر وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية (التي تطلق في السنة حوالي 3 مليون طن من الكيميائيات السامَّة إلى البيئة مساهمة في أمراض السرطان وتشوهات الولادة وتشوهات جهاز المناعة والعديد من المشاكل الصحية الأخرى) رفضت العمل على الحد من هذه الإنبعاثات، ولم تقدّم أيّ حلول ناجعة في المؤتمر الذي عقد في كوبنهاجن حول البيئة وإنما فقط بعض المساعدات لإسكات الدول النامية.

 

والمعلوم أن خطر التغيّر المناخي بدأ فعلاً في الظهور، من خلال بدء ذوبان الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي وارتفاع منسوب مياه المحيطات، وتهديد بعض الجزر بالغرق، كما هي الحال مع جزيرة توفالو الواقعة في المحيط الهادي، من ناحية أخرى فإن التغيّرات المناخية تؤثّر سلباً في بعض الأماكن، وخاصة في البلدان العربية التي تعاني أصلاُ من شح في موارد المياه، مما يزيد في تصحّر الأراضي، وقد أشار بعض التقارير إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى خفض الإنتاج الغذائي فيها بنسبة 50  في المائة.

 

وأظهرت دراسة علمية لمعهد بوتسدام الألماني للدراسات والأبحاث المناخية أن هذه التقلّبات المناخية تساعد على ارتفاع نسبة الحموضة في البحار والمحيطات وهذا سيؤدّي إلى انخفاض الأوكسجين وتهديد النظام الطبيعي فيها.

 

وفي دراسة أشرف عليها البروفسور دافيد بيمنتل, أستاذ البيئة والعلوم الزراعية في جامعة كورنيل الأمريكية, وجد الباحثون أن 40% من الوفيات في العالم سببها تلوث المياه والهواء والتربة.

لذا يؤكّد د. بيمنتل أنّه: “لدينا مشاكل بيئية جدّية لمصادر الماء والأرض والطاقة, وأصبحت هذه الآن عبئاً على إنتاج الغذاء ونقص التغذية وحدوث الأمراض”.

 

ويشير المتخصصون فى الأمراض السرطانية إلى أن حوالي  80% الى 90% من أمراض السرطان سببها تدهور البيئة من حولنا.

ويتفق معظم الباحثين على أن العوامل النفسية والاجتماعية تلعب دورا مهما في كيفية شعور الأشخاص وبالطريقة التي يظهر المرض فيها.

 

فإذا ما عدنا إلى العناصر الثلاثة التي تحيط بالإنسان نرى أنها تعاني من ثقل وطأة تعاطيه معها، فالتربة ملوّثة بالعديد من المواد الكيميائية والكائنات الحية الدقيقة التي تنتقل للإنسان مباشرة من خلال اللمس والإتصال أو من خلال الماء والغذاء. والهواء ملوّث بدخان الكيميائيات المختلفة، والماء إما مفقود في بعض الأماكن، وأما موجود وهو غير صالح للإستعمال، ورغم ذلك يستعمله بعض الناس الذين لا يجدون البديل مما يؤدّي إلى انتشار الأمراض المميتة بينهم، سيما مرض الملاريا القاتل.

 

كما أنّ بعض الميكروبات تصبح يوماً بعد يوم مقاومة للأمراض. وكنتيجة لعوامل التغير الجوي والدفء العالمي مع التغيرات في التنوع البيولوجي وتأثير تطور الطفيليات وقابلية الأنواع السامَّة لغزو مناطق جديدة, نتج عن كل ذلك أمراض مثل السل والإنفلونزا كعوامل تهديد رئيسية.

 

يشير أحد التقارير إلى أن 30% من أمراض الأطفال تتسبب فيها العوامل البيئية، وأن واحداً من بين كل خمسة أطفال، ممن يعيشون في أفقر مناطق العالم، لن يتمكنوا من الحياة بعد سن الخامسة، بسبب أمراض متصلة بالبيئة. إلاّ أنّه بالإمكان تفادي حدوث 13 مليون حالة وفاة سنويا، لو عمل الإنسان على تحسين البيئة؛ وهذا ما أكّدته منظمة الصحة العالمية إذ أشارت إلى أنّ التدخلات الجيدة التركيز يمكن لها أن تسهم في توقّي الكثير من تلك المخاطر البيئية.

 

لقد توصل بعض الباحثين الألمان إلى إيجاد حل لمشكلة التغيّر البيئي، بعد العديد من الدراسات العلمية ورأوا أن ذلك يكون عبر بناء مفاعلات بيئية ضخمة مهمتها تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من مداخن محطات توليد الطاقة والذي تقوم بامتصاصه الطحالب، وتحويله إلى وقود بيئي يمكن الاستفادة منه.

ويمكن الإهتمام بزرع الأشجار التي تعتبر الرئة التي تتنفّس منها الأرض، وتزيد من كمّيّات الأوكسيجين المتناقص بسبب هذه الإنبعاثات السامة.

 

خلاصة القول أن المشاكل التي أوجدها التطور قد تكون أكبر مما قدّم للإنسان من تقنيات ورفاهية، وإذا لم يتم الإلتفات بشكل جدّي إلى هذه المشاكل والسعي لمعالجتها بشكل فعّال فقد تكون البشرية أمام أزمة حقيقية، لذا فإن الإهتمام بالبيئة من أهمّ الأمور التي يجب الإلتفات إليها، إن على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، إضافة إلى مسؤولية المؤسّسات العامّة والخاصّة، نظراً لما لها من تأثير على حياة الجميع.

ماجدة ريّا

3/ 2/2010

عدد الزوار:1394

شارك بتعليقك