الرئيسية

واخجلتاه (قصة قصيرة)

الكاتب : majidaraya | التاريخ : أغسطس 27 2015

مقاومة
الثلاثاء ـ 18/12/2012
بقلم ماجدة ريا
ترقد في سريرها وقد هدّها الإعياء والمرض، تتساءل في نفسها أين ذهبت كل تلك القوة، وأين ذهب كل ذلك الكبرياء.
تنظر في داخلها إلى ذلك الوحش الذي سيطر على حياتها كل تلك السنين، فتدمع عينها، لم تعرف هل تلك الدمعة هي دمعة ندم؟ أم دمعة عجز؟ أم دمعة تحسّر؟…
كثيرة هي تلك التساؤلات التي تأكل في جمجمتها، فتزيدها ألماً على ألم، ولا تملك الإجابة.
جلس باقر قبالتها، يرمقها بحنين بالغ، يُرثي لحالها، ويسألها: “هل أستطيع أن أساعدك بشيء يا خالتي؟”
تغص بدمعتها من جديد، ولا يطاوعها لسانها على النطق، تتحشرج الكلمات في صدرها، فلا تبلغ الحلق، وتبقى حبيسة أنفاسها.
تنظر إلى ذلك الشاب الجالس أمامها، وهي في حيرة من أمرها، وتعود في مخيلتها إلى الوراء رغماً عنها، لا تستطيع التغاضي عن ذلك الماضي اللئيم، تراءت لها صورته البريئة، بعينيه المعذّبتين وقد علاهما غشاوة من الدمع المختنق في مقلتيه، وقد تهدّلت خصلات شعره المبعثر على جبينه تلامس تلك الدموع المترجية بعضاً من حنان الأم الذي يفتقده، وأنّات مخنوقة في صدره الصغير “أين أنت يا أمي لتري طفلك الصغير وما يعاني!”
كل ذلك لم يكن يحرك في داخلها سوى مزيد من القسوة والعنف، ولكنها الآن لا تستطيع أن تنسى هذه الصورة، وهي تحرق قلبها مع كل كلمة يتلفظ بها.
الآن هي تبتلع دموعها، تحتاج من يرحمها، وكأنها كانت تنتظر أن يردّ لها المعاملة بالمثل، أنّها فرصته للإنتقام.
شيئاً من هذا لم يحدث.
لقد كان تصرّفه فوق كل ذلك التصوّر، كان وديعاً، هادئاً، خلوقاً.. أيما خلق. بالكاد تسمع له صوتاً، كان يُكثر من تلاوة القرآن والدعاء، ملاذه الآمن، حتى صقلت روحه. ومن كتلة العذاب المشتعل بتلك الطفولة المقهورة، خرجت تلك القامة الفارهة لتتطاول على كل تلك الآلام، وتجعل منه ذلك الفتى الحنون المحب حتى لمن كان السبب في آلامه.
يقدّم لها الدواء في موعده، ويعينها فيما تريد، إلى أن أصبح مضرباً للمثل في تلك القرية الصغيرة، ولكن قلبه كان أكبر من كل ذلك.
كان يغادر إلى عمله بسريّة تامة، ولا أحد يعرف عنه أي شيء، يغيب لأيام ثم يعود، ليؤمن لها المال والدواء، لم يكن يعلم أحداً بوجهته، يوصي بها الأقارب والجيران إلى أن يعود ليهتم بها من جديد.
تخرج الكلمات من بين شفاهها تمتمات وهي تسأله بقلق: “هل سامحتني يا باقر”
فيجيبها بحنان غير متوقع: “سامحك الله يا خالتي… لا تتعبي نفسك بالتفكير في الماضي، لقد ذهب وولى بكل آلامه، اهتمّي بنفسك الآن، عسى الله يجعل عاقبتك على خير”.
تغص بدموعها من جديد، وتحدّث نفسها: “واخجلتاه… كيف عاملته! وكيف يعاملني!.. سامحني يا ربي”
تحاول أن تنظر في وجهه لتستقرأه، أهو وجه إنسان أم وجه ملاك؟ تلك القسمات البريئة، المنحوتة بيد خالق أبدع صنعه، تقرأ في كل منها آية من آياته، وكأنّها مرآة الكون.
تسأله “ألن تخبرني أين يكون غيابك؟”
فيجيبها بتأن: “في العمل يا خالتي، لا تقلقي نفسك بشأني”
فتعود لتختنق بعبرتها من جديد.
ذات ليلة باردة، من مساءات عام 1993، ضوء القمر فيها يكاد لا يُرى، السكون يخيم على كل شيء، اخترق صوت الطيران الحربي الصهيوني الأجواء، وبدأ بالقصف على “معسكر جنتا” وبدأت المضادات الأرضية بالتصدي له، طلقات المضاد تتجه باتجاه الطائرات، والطائرات ترمي عليهم بصواريخها.
انكشف الصبح عن عدد من الشهداء.
في الصباح أعلن عن اسماء هؤلاء الذين قضوا وهم يقومون بواجبهم الجهادي، يحرسون الوطن بالأرواح والمهج، فوقفت تلك المرأة مصعوقة بالخبر…
باقر!… لن يعود، لقد رحل إلى حيث يستحق أن يحيا، إلى عالم النعيم، لقد كانت روحه الطاهرة أكبر من زيف هذه الدنيا، لقد كان غير البشر.
هل تبكي عليه؟ أم تبكي على نفسها؟ وهل ستستطيع أن تنسى جحيم الطفولة الذي سيحرقها كل يوم، حتى تغسل روحها من كل تلك الذنوب، رغم أنّه سامحها.
يا الله… هذه هي أخلاق الشهداء.

عدد الزوار:873

شارك بتعليقك